نصر حامد أبو زيد
203
الاتجاه العقلي في التفسير
قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد فكلّم موسى مرتين ورآه محمد مرتين فأتى مسروق عائشة ، فقال : يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : سبحان اللّه لقد قف شعري مما قلته ثلاثا ، من حدثك بهذا فقد كذب ، من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب . قال اللّه تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وقال : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ومن حدثك أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب . وقد روى مسروق عن عائشة أنه قال لها : أليس اللّه يقول في كتابه وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى فقالت : أنا أول هذه الأمة ، سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « ذلك جبريل رأيته في صورته التي خلقه اللّه عليها مرتين » 204 . . الخ كل هذه الأحاديث التي يعارض بها المعتزلة أحاديث خصومهم في هذه القضية . وليس يعنينا الكشف هنا عن مدى صدق هذه الأحاديث من ناحية السند أو المتن ، بقدر ما يعنينا أن نرصد طريقة المعتزلة في الرد ومنازعة الخصوم . والمعتزلة أنفسهم لا يعولون كثيرا على الحديث فيما يتصل بأصول العقائد فيكفي أن تكون هذه الأحاديث « معارضة لما نقلوه ، وإن لم تزد في الظهور على تلك لم تنقص منه ، فلم صار التعلق بتلك أولى من هذه ؟ ويجب عند تعارضهما الرجوع إلى ما دلّ عليه العقل والكتاب لو ثبت أن أخبار الآحاد تقبل » 205 . أمّا السلاح الثالث في مواجهة الأحاديث التي يستشهد بها الخصوم فهو سلاح التأويل ، وهو نفس السلاح الحاد الذي يواجه به المعتزلة الآيات التي يستشهد بها الخصوم على صحة قولهم من القرآن الكريم . غير أن التأويل - في مواجهة النصوص القرآنية - هو السلاح الوحيد ، وإن كان - في مواجهة الأحاديث النبوية - سلاحا من أسلحة عديدة ، بل هو آخر هذه الأسلحة . خصوصا إذا اتصل الأمر بأصولهم العقلية . وليس ببعيد تأويلهم لقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم حين سئل « هل رأيت ربك فقال : نور أنّى أراه » حيث أوّلت « أنّى » بمعنى « لا » واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وهذه القراءة لا تسلم للمعتزلة تماما ، فأهل السنة يوردون الحديث على أن « أنّى » ظرف لا نفي 206 وعلى أي حال فتأويل منطوق الحديث بما يتفق مع الأصول مسلك اعتزالي مشروع . وبنفس الطريقة يؤول المعتزلة الأحاديث التي وردت ويفيد ظاهرها الرؤية ، على أن الرؤية فيها بمعنى العلم لا رؤية العين « على أن شيوخنا قد بيّنوا أن خبر جرير لو صحّ لكان له تأويل سليم على قولنا وهو أنه أراد بقوله : ( ترون ربكم ) تعلمون ربكم ، لأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم في اللغة . يبين ذلك قوله جل وعز : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ و أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ، وقوله إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً ، وهو تعالى يعني البعث ، وقول المسلمين : اللهم أرنا الحق